السيد كمال الحيدري

46

معرفة الله

عمل حتّى ممّن لم يقصد وجهه تعالى ، ولكنّ الآيات صريحة بتحديد ملاك ترتّب الأجر والمضاعفة وهو قصد سبيل الله تعالى ووجهه الكريم في الإنفاق والإقراض ، ولابدّ أن يكون الإقراض حسناً ، أي : حلالًا ، ولا يُفسده بمنٍّ ولا أذى « 1 » . وبذلك تتجلّى لنا قيمة العمل الذي قام به أمير المؤمنين عليّ وأسرته عليهم السلام عند إطعامهم تلك الأقراص الثلاثة من الخبز لمسكين ويتيم وأسير وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً « 2 » حبّاً بالله وحدهُ دون أن ينتظروا جزاءً ولا شكوراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً « 3 » . ولعلّ هذا العمل بصورته الخارجية كان ممكناً جدّاً لكثير من الناس آنذاك وربّما هو واقع منهم ، ولكنّ ذلك القصد الخالص والنيّة الصادقة هي التي أعطت ذلك العمل تلك الأهمّية والسموّ والرفعة ، ولا شكّ أنّ هذه النيّة الخالصة لم تتحقّق لكلّ أحد إلّا من تلك الثلّة الطاهرة عليهم السلام ، والتاريخ يطالعنا بنماذج عديدة قد دفعت نصف أموالها وأحياناً جميع ما تملك ، ولعلّهم كانوا يقصدون وجه الله تعالى بحسب ظاهرهم ولكنّهم لم يُخلّدوا ويُذكروا قرآنياً كنموذج يُحتذى به ، وما ذلك إلّا لعدم حيازتهم تلك الصورة الملكوتية العليا والنيّة الخالصة من جميع الأغيار . لذا فالمسألة ليست بم تصدّقتَ وماذا قدّمتَ ، وإنّما كيف تصدّقتَ ، ولمن توجّهتَ ولأيّ قدّمت ؟ فلا جدوى بالتصدّق ولو بجبل من ذهب

--> ( 1 ) مجمع البيان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 2 ص 137 . ( 2 ) الإنسان : 8 . ( 3 ) الإنسان : 9 .